آخر الأخبار

الدكتورة خالدة مصاروة تكتب : وصفي .. عاشق الأردن والأرض والإنسان

 
جوهرة العرب - د. خالدة مصاروة

كنتُ في سن الخامسة عشر من عمري، حين أخذتني صورة ابن عمي وصديقي نبيل -وزير البيئة الحالي- لذكرى استشهاد وصفي التل. آنذاك لم يكن ثمة هواتف جوَّالة، جاء إلى بيتنا راكضًا، لاهثًا، صارخًا: هل سمعتِ... اغتالوا وصفي!، اجتمعنا في بيت الجد لأبي، واجتمع أعمامي جميعهم يبكون، ويندبون وصفي، فقد كان صديقهم الصدوق، وأخ صديقهم الأقرب مريود رحمه الله، أذكر عمق الحزن الذي خيّم وقتها.
كنا متأثرين جدًا بما حدث للراحل العظيم، فشاركت مدرستي ومدرسة الذكور بمسيرة حزينة على رحيله، ومنذ ذلك الحين ولليوم وأنا أتذكر حوارات وصفي مع الراحل إبراهيم بكر، وكانت الندوات تشاهد على التلفزيون الأردني. بحثت وقرأت في شعر عرار، فتعرفت على وصفي أكثر. ألقيت كلمة في تأبين وصفي جاء في مقدمتها شعر لشاعر مأدبا المغترب عيسى القنصل يقول فيها:
بعيدًا بعيدًا كركب الرجال وركب الرجال قليل الوجود
وبالفعل كان وصفي من ركب رجال قليلين الوجود، كان قوي الشخصية، شجاع، صاحب حجة، رجل تجربة، وأدلة، لديه مشروع مؤمن فيه، عارف جدًا بتفاصيله. أعتقد أنه كان رجلاً كما تقول الجدات: (لم يكن ابن عيشه)، لقد غادرنا بعمر ٥٢ عامًا، قبل أن يكمل مشروعه، بل لازال في المقترح.
كنت أشاهده على التلفزيون ومعجبة جدًا به كباقي المواطنين، كان مهيبًا لدرجة أنك تعتقده مخيفًا إلى أن جاء ذلك اليوم الذي التقيت بدولة الرئيس وكان عمري حينها ١٤ سنة على شاطئ العقبة، حيث كنت أشارك بمخيم كشفي أنا وزميلة لي، جلسنا على الرمال بعد أن استقبلنا واقفًا وكان برفقة عبد الله صلاح وزير الخارجية آنذاك. كنا أطفال بحكم العمر، ولكني كنت ناضجة بحكم الجلسات الفكرية التي كانت تعقد في بيت جدي. لم أرَ فيه ما كنت تخيلته، فقد رأيته رجلاً متواضعًا جدًا، يحترم الآخرين حتى لو كانوا أطفال، لا حراسة، ولا سائق. علمًا بأن الخلافات السياسية التي تحوّلت إلى خلافات عسكرية في ذلك الوقت كانت كبيرة مع المنظمات الفدائية (أيلول الأسود)، والتي كان ينشد فيها أبو مصطفى الأمن وسيطرة القانون، حيث أسيء فهم الرجل، وجعل منه عدوًا للفصائل، لم يكن أردنيا شوفينيًا يطمح لأردنة أجهزة الدولة، بل كان يريد بناء هوية أردنية، مقابل هوية فلسطينية للحفاظ على فلسطين، ولو تخيلنا سيناريو لما سوف يحدث لو أن الفصائل نجحت بتحقيق مآربها آنذاك؛ لكان الأردن كما أريد له وطنًا بديلاً منذ ذلك اليوم.
وصفي كان يأمل بالعودة للأرض، وللزراعة، وللاكتفاء الذاتي، لم يكن فاسدًا، ولا يستجدي المناصب، فالمناصب جاءت إليه ليس تشريفًا، وإنما تكليفًا. لم يستقل منصبه إلا من أجل كرامة المواطن، ورفعة الوطن، والحفاظ على الهوية. ونحن نستذكر وصفي التل كل عام أحزن على ما ينشر من بعضهم حين يظنون أنهم يكبّرون وصفي لأنه كبير، وحين تمتلئ كتاباتهم بروائح الإقليمية المقيتة، الممزوجة بتقاعس واكتفاء بالماضي. 
وصفي كان عنوان الولاية والعدالة والثقة، أما الآن في الألفية الثالثة لا نعطي فرصة لأي مسؤول، ونقول: أنت لست وصفي، ولن تصبح وصفي. نعم هم ليسوا وصفي، ولن يكرروا زمن وصفي؛ لأن الظروف اختلفت، والزمن تغير، ونحن تغيرنا أيضًا، ولكن ليس للأفضل. نسينا أن وصفي من تراب هذا الوطن، وأن الأردن قادر على إنجاب الآلاف من وصفي، أصبحنا نتنمر على كل شيء، ولم نقرأ حركة التاريخ منذ وصفي للآن. لم نتمثل بوصفي الذي كانت عشيرته الأردن، وليس عشيرة التل، ولم يجعلهم يستغلون أي فرصة للاستعمال اسمه. وانتخاباتنا النيابية الأخيرة خير دليل على ذلك. 
نستذكر وصفي في مبكاة حزينة هزيلة، والقضاء على الروح الإيجابية أينما كانت جعل من ذكرى وصفي عاشوراء أردنية بامتياز، لم نفهم وصفي مشروعًا لدولة عصرية ذات هوية جامعة بنسيج جميل. دولة مؤسسات، وقانون فيها المواطن يؤمن بالمواطنة لا بالوطنية الزائفة، مواطن جاد يعمل، ويقدّر العمل، ويتحلّى بقيمه. عينه على عمله يكبر به وبوطنه، لا عين على الراتب، والزيادة، والتخوين، و التنمر حتى على تاريخه وشرعيته. مواطن يزرع ما سيأكل، يلبس ما يحتاج لا ما يحب، يؤمن في التعليم والتعلم كخلاص من مشاكله بعيدًا عن الطائفية، والإقليمية، المقيتة. وصفي لم يكن شخصًا خارقًا فوق الطبيعة, وصفي كان مواطنًا أردنيًا عاشقًا لبلده آملاً أن يكون بلدًا عصريًا، يعشق الأردن والأرض والإنسان.